تعود لي

أجلس أمام نافذتي في يومٍ شتويٍ من شتاء أوروبا الكئيبة. أمامي عمارةٌ تبدو وكأنها تعبت من تلك الحياة. ربما كانت يومًا تشع نشاطًا ولكنها اليوم تبدو قد أرهقت. تجلس أمامي بلونها الورديّ وإطارات نوافذها التي نحتت بيدي حرفيٍّ كان يمتلك من الوقت الكثير. لم يكن يقتني هاتفًا ذكيًّا ليتلصص أخبار معارفه. كانت بجعبته ساعات طوال، قضاها يتقن تلك الانحناءات اللاتي تبدو كأنهن نسخن عن نفس القالب.

بماذا كان يفكر؟ هل كان يخطط لمغامرةٍ تنتشله من رتابة عمله؟ هل كان يحلم برحلةٍ يقفز فيها بين تلك المدن المتناثرة في منتصف القارة؟ أم كانت الحرب ترعبه؟ حتمًا كانت مخاوفه من تلك الحرب هي التي تسيطر على أفكاره. ولكن ربّما جل ما كان يفكّر فيه هي وجبة العشاء، طبق شنيتزل مع البطاطا.

أمام البناية شجرة عارية تستطيع أن تمتطيها إذا خطوت خطوة واحدة فقط عن سطح تلك البناية التي ترتقي أربعة طوابق. أو ربما تزحلقت عن ذلك السطح القرميدي قبل أن تتمكن من أن تخطو خطوتك. لا يهم.

أصوات السيارات تعلو وتختفي بين رذاذ المطر الخفيف. ها هو يشتد تساقط المطر. أعود إلى واقعي، وصوت أناشيد الثورة القديمة تأتي من خلفي. لا أدري لماذا أبدأ يومي بها كل يوم. هل أنا عالق في رومانسيات الماضي؟ هل أهرب من واقعي العاجز؟

أعود بذاكرتي لصيف ١٩٩٤ وأنا ابن الثامنة اتصفح تلك المجلّات الزرقاء التي توثق يوميات الانتفاضة. كانت متراكمة بزاوية من زوايا المنزل المهملة. انتهت الانتفاضة. لم نحصل على شيء. بلا حصل بعضنا على نياشين وسجادة حمراء وسلطة. أنا ذلك الطفل الذي لا يدرك بعد معنى الوطن، مازال يخلق الوطن في داخله، لم يبقى لدي سوا تلك المجلّات. شهداء، أسرى، اشتباكات، قصص بطولة، العلم. ولكننا نعود إلى غربتنا من جديد. لماذا قرر والدي أن يخرج؟ نترك روحنا في حواري بلدتنا. لم أتمكن من ايجاد الساعة الحلوة في تلك الغربة. ولا تلك القهوة التي أشربني اياها جدي وأنا في الثامنة لكي أكبر بسرعة “وأطلّع شنب”.

بعد ستة سنوات كبرت قليلًا وكبرت معي فلسطين. أعود في كل صيفٍ لأجد أنّ روحي تكبر هنا في فلسطين وأنا أكبر هناك في الغربة. صيف ٢٠٠٠، كانت تلك هي سنة العودة إلى الروح. أو هكذا اعتقدنا. سنسجل في تلك المدرسة لربما. كل شيء جاهز للعودة. نعود إلى الغربة لبضعة أسابيع، ريثما ينهي والدي ارتباطاته. يذهب في أيلول إلى آخر مؤتمر قبل أن يعود لتقديم استقالته، لنعود.

الانتفاضة تشتعل في الأرض المحتلة، شهيد، شهيد، شهيد. اشتباكات، جرحى، عمليات، حواجز. “مش رح نرجع السنة، خلي الوضع يهدا شوي والحركة ترجع طبيعية. ترتيب الشغل تخربش مع الحواجز. بطل ينفع نرجع”.

أتعلق بالشاشة كل ليلة، أسمع تلك الأغاني على الوكمان بكاءً حتى النوم. أحلم وأحلم وأحلم. وتكبر معي أحلامي، وتأخذني في طريقي. أنهيت الدراسة وعدت لأعود لروحي.

“شو اللي بيرجعك، الناس هون مش لاقية شغل؟ ..معلش شحّاد بفلسطين ولا ملك بره” مازلت أذكر ذلك الحوار مع ابن عم والدي. أنا أعرف إلى أين ذاهب، ولكن كيف أذهب؟ سأجد الطريق. لا فرص مثالية، اغتنم أي فرصة.

كم فرصة اغتنمت وكم فرصة أضعت؟ ماذا سقط منك في الطريق؟ أين السبيل؟ أين السبيل؟

بين ١٩٩٠ و٢٠٠٠ و٢٠١٠ و٢٠٢٠ ثلاثة عقود شكّلتني. وأعود اليوم لاتشكّل من جديد كما أنا، لم تتبدل روحي، هي نفس تلك الروح التي تركتها خلفي في فلسطين في صيف ١٩٩٤.

أجلس أمام النافذة، تتلصص الشمس علي من خلف الغيوم، اعتقد أنه وقت مناسب لأخرج، سأعود لروحي في وطنها بعد أسبوع، علي التجهيز للسفر. سأخرج.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s