شيفونيات المقهورين: عقابٌ نحو التحرر

نيكولاس شيفون كان مجرد ١٨ عامًا ضاقت به الحياة التي أثقلت عليه وعلى بلدته الساحلية الفرنسية نار الحرب، فقد كانت بلدته روشفور هي خط المواجهة الأول تتلقى ضربات البحرية البريطانية الموجعة عام بعد آخر. كبر في ظل ثورةٍ لم تعره اهتمامًا، وعندما اشتد عوده لم يكن منه إلّا أن لحق بركب جيوش نابليون بونبارت الاستعمارية التي سوّقت لكل فرنسي يشعر بذل هزائم فرنسا في القرن الثامن عشر سبيلًا لاستعادة وهْم كرامةٍ من خلال غزو شعوب ما وراء البحر. 

شيفون، كسائر أقرانه البسطاء، لم يطمعوا بجاه أو مال، ولكنه افتقر لامتيازات ووعي وثقافة تريه سبيلًا آخر. وحقده على أصحاب الامتيازات سواء من الارستقراطيين أو “الثوار” الذين استعلوا عليه لم يكن لِيُحتمل. 

خلال تلك الحروب البونبارتية، لم يبق في جسم الشاب نيكولاس شبرٌ إلّا وأصيب حتى أقعدته جروحه عن الحرب. ولكنه اشتد تمسكًا بالفكر البونبارتي لأن روحه علقت في رحى أفكارٍ انتشلته يومًا من قهره. وحتى بعد اضمحلال الحقبة البونبارتية وتحول أفكاره إلى مادة يتندّر بها عامة الشعب، بقي شيفون يتشدد لها ويروج لها ما بقي فيه نفس. فقد وجد في تلك الأفكار العشيرة التي تجيره والعصبة التي تسنده.

نيكولاس شيفون، سواء أكان شخصيةً حقيقية أم من نسج خيال مسرح الفودفيل الفرنسي منتصف القرن التاسع عشر، فقد ألهم من جاء لاحقًا من منظرين وفلاسفة في علمي الاجتماع والسياسة إلى محاولة فهم تلك الممارسات اللا عقلانية التي تجد من مجموعة بشرية في مكانة أرقى وأعلى من غيرهم وأحيانًا يجد الشيفونيون أن من واجبهم تنوير المجموعات الأخرى التي لا تمتلك تفكيرًا يشعُّ مثل تفكيرهم. 

بعد ١٠٠ عام على ظهور ذلك المصطلح قدّم الكاتب المسرحي الشيوعي كليفورد أوديتس في العام ١٩٣٥ في مسرحيته “إلى يوم أموت” مصطلح الشيفونية الذكورية. وبعد عقدٍ من الزمن قدمت حنة آرنت في ورقتها “الامبريالية، القومية، الشيفونية” تحليلًا لارتباط الشيفونية الذكورية بالممارسات الأبوية في السياسة وبالتالي بالأفكار الرجعية والاستعمارية التوسعية. كتبت آرنت بورقتها أن الشيفونية “أنتجت نوع الرجال الذين نجدهم متناثرين في كل المواقع الاستعمارية والذين يتبنون مقاربة أبوية نحو الشعوب التي طُلِب منهم حكمها وبالتالي يتخذون دور ’قاتل التنين‘ [المنقذ] محققين بذلك أحلام صباهم بطريقة ذكورية.”

مصطلح الشيفونية استخدم بتوسّع لوصف شتى الممارسات الاستعلائية. وتلك الممارسات لا تظهر بالضرورة من أفراد سيئين، ولكنها وليدة ظروف سيئة. ورغم ارتباط المصطلح بدلالة سلبية اليوم، إلّأ أنها لم تكن الحال دومًا. هل هنالك شيفونية جيدة؟ نحتاج لتعريف “الجيد” أولًا، ولكننا نرى تصنيف الشيفونية إلى شيفونية رجعية وشيفونية ثورية. وهذه الأخيرة هي وسيلة حشد نفسي ضرورية لدفع عجلة الثورة والتحرر قدمًا. وقد تندرج تحتها بعض الممارسات الشيفونية النسوية أيضًا. 

ولكن الخط الفاصل بين الشيفونية الثورية وتلك الرجعية هو أرفع من الشعرة، وذلك بحث يطول. ولا يمكن وضع قوالب جاهزة للحكم على كل الشيفونيات، ولكن بشكل مبدئي فإن الشيفونية كلما ضاقت زادت رجعية. لذلك فإن الشيفونية الثورية هي التي تتوسع إلى أقصى حدودها لتشتبك بمواجهة العدو المباشر. فالشيفونية الفلسطينية عندما تؤدي إلى الاشتباك مع المستعمر الصهيوني فهي في أرقى حالتها الثورية. أمّا تلك الشوفينيات الفلسطينية الضيقة التي تشتبك مع بعضها بالأساس، فهي رجعية بالضرورة. أو عندما تشتبك الشيفونية الفلسطينية مع شيفونيات أخرى بعيدًا عن خط المواجهة مع العدو الصهيوني، فهي أيضًا رجعية. والحديث عن آثارها السلبية على صيرورة النضال هو بحث طويل قد نتناوله في حديث آخر.

وكما هو الحال في الشيفونية النسوية، فإن تلك الشيفونية التي تشتبك بمواجهة الذكورية والمنظومات الأبوية الاستعمارية فهي شيفونية ثورية، ولكن تلك الشيفونيات النسوية الضيقة التي تشتبك بمواجهة تيارات نسوية أخرى أو تلك التي تقتصر حدود خندقها على تقسيم مبني على الجنس أو النوع الاجتماعي فقط فهي بالضرورة شيفونية رجعية. 

لا يقتصر فهمنا لمصطلح الشيفونية على ما جاد به منظرون غربيون أو شرقيون بعيدين عن سياقنا. ولكننا نحاول فهم أنفسنا خارج إطار الحدود الفكرية التي رسمت خارج وطننا. وما يهمنا في بحثنا هذا هي تلك الأفكار الشيفونية التي تتولد في ظروف القهر. ولا ينسحب جميع من يتشاركون تلك الظروف نحو الأفكار الشيفونية الرجعية. وهنا يقع عبء انتشال المجموعة من مستنقع الشيفونية الضيقة على من كانوا محظوظين بجمعهم لثلاثة عناصر: الوعي الاجتماعي، والثقافة السياسية، والامتيازات. والعنصر الثالث، الامتيازات، قد لا نحتاجه دومًا كي نرتقي فوق شيفونيتنا، ولكنه يعني أنك ستحتاجين إلى قوةٍ لا يستهان بها لا يمتلكها الكثير لمواجهة قهر كبير. 

فتخيلي نفسك مثلًا تعيشين في غزة تحت نير الحصار الصهيوني والحروب المتتالية والفقر المدقع ويزيد عليها اضطهادًا أبويًا في بيتك. وتخيلي أنك تتعرضين لتعنيف جسدي مستمر وحياتك مهددة ولا سبيل إلى النجاة من كل تلك الظروف والممارسات القمعية التي تحاصرك. وتخيلي أن من هم نسويات في وطنك فلسطين يعاملونك باستعلاء أو ازدراء، أو على أقل تقدير لا تتسع سرديتهم لصوتك. فمن يملك أن يزايد على أفكارك الشيفونية النسوية أو المناطقية التي قد تتخذينها ملجأً فكريًا؟ لا أحد. ولا يملك أحد أن يطلب منك تبني أفكار نسوية متنورة وثورية أكثر. ولكنك إن وجدتي في داخلك ذلك الدافع فهو لن ينتشلك وحدك بل سينتشل الكثير غيرك. رغم أننا لا نملك الطلب من الناس التضحية والارتقاء فوق آلامهم ولكن التاريخ التحرري لم يحفر إلّا بمعاول أولئك الذين قرروا التضحية.

أثقلت النضال الفلسطيني الشيفونيات المتعددة التي ظهرت في فترات زمنية مختلف ومازالت. وقد كثرت الشيفونيات وتنوعت من شيفونية مناطقية إلى شيفونية مدن وشيفونية مخيمات وشيفونية فصائيلة، وقد تكون الشيفونية الذكورية هي أقدمها وأثقلها. وتجدين الشيفونيات تتبلور عند المجموعات الأكثر قهرًا أو الأكثر تسلطًا فهي نتاج إمّا قهر شديد أو نرجسية، وأحيانًا كلاهما. أمّا شيفونية السلطات فيسهل تصنيفها والحديث فيها وهي بينة ورجعية دومًا تقريبًا، على عكس شيفونية المقهورين التي قد تكون رجعية أو ثورية، وتلك الرجعية يصعب الحديث فيها علنًا لأنه يُرى في ذلك النقاش أذًى وتنظيرًا استعلائيًا على أولئك المقهورين، وهي في أغلب الأوقات تتوارى خلف شيفونية ثورية. ولكن ذلك النقاش هو ضرورة ثورية لو في حلقات مغلقة لأن خطره على المسيرة التحررية قد لا يقل وطأة عن شيفونية السلطات.

3 comments

  1. ربط الشوفينية بالتحليل ربط جديد ويحتمل بنيات تحليل كثيرة …
    لكن في كثير من الاحيان استخدم اصطلاح النرجسية للتعبير عن هذه الحالة. بالحقيقة تتعمق هذه الحالة بما يمكن ان ندعوه بالتفرد واحساس التعالي والاغلاق على الذات سواء فردياً أو جمعياً، في حالة الاحساس بالخطر وكلما تعاظم الاحساس بالخطر تعاظم احساس تضخيم الذات والاغلاق عليها كاداة دفاعية، فيما يسمى بنرجسية الألم، والتي دعوتها بالشوفينية الثورية.
    اذا أردنا ربط التحليل بالحالة الاستعمارية، فان الاستعمار يسعى لاستغلال هذه الحالة بتعميق الألم وتصنيفه وتفريقه، بدءً من فصل الحالة الفلسطينية عن الحالة العربية، وليس انتهاءً بفصل المناطق الفلسطينية عن بعضها، ليتلاعب بها كل على حدا. فيسحب كل منا ألمه وينكفئ على ذاته التي تلاعب بخلقها الاستعمار اصلاً. لم تكن مثلا نرجسية الفلسطيني بقضيته مدعاة لفصله عن وجوده العربي، ولم تكن مدعاة ليظن العربي ان نرجسية الفلسطيني تشكل موضع استفزاز له ليستخف بها ولا يتبعها الا في اللحظة التي ظن مخدوعاً ان القضية الفلسطينية مفصولة عنه. كذلك الأمر في الشوفينية المناطقية في البلاد، لا يمكن ان تكون مدعاة لاستفزاز بعضنا والاستخفاف بها الا اذا ظننا مخدوعين انننا مفصولين حقاً. فلا نفزع لآلام بعضنا الا لاننا نظن أننا جزءً متأصلاً منها.
    أما النضال النسوي، فهل يمكن مثلاً ان نفصل نضال الفتيات في غزة عن نضاله في الضفة والقدس والداخل؟ الا أن نشعر جميعا بوحدة الألم؟ لربما الشوفينية واحساس تفرد الألم ونرجسيته تساعدنا على الجلد أمام الاستخفاف من الآخر، لكن هذا الاستخفاف لا يأتي الا لأننا فصلنا احساس الألم ونسينا أن المصدر واحد. لذلك نردد دائما، حينما تدافع امرأة ما عن وجودها فانها تدافع عن حق النساء جميعاً في الوجود. تختلف السياقات التي تلاعب في خلقها مسبب واحد، تختلف نعم لكنها معاناة جمعية من مصدر واحد، وكما يقول شريعتي ان الاستحمار ان نسعى للخلاص الفردي في ظل استعمار يسعى لابادة جمعية، فالاستحمار أيضاً هو هذه الشوفينية المناطقية في استعمار يسعى لابادتنا جميعاً. زمان كنا نسمع ستاتنا بقولوا بالتهجير (الوجع واحد يما)، لربما علينا العودة الى احساس توحد الألم، لكي تعود مفاهيم الفزعة الجمعية، ويتحقق احساس الاتصال.

    إعجاب

    • اتفق بالكثير مما قلتيه. قد أرى أنا النرجسية هي مقتصرة على النظرة للذات مقابل الآخرين. ولكن الشيفونية قد تكون نرجسية الجماعة كما يحس بها الفرد. فهو إحساسها بأنها فرد من مجموعة تعلو بشأنها عن الآخرين، وليس بأن شخصها هو من يعلو. لذلك أميل إلى الاعتقاد بأن الشيفونية هي نرجسية الجماعة.

      واتفق معك بأهمية “الفزعة الجمعية” وارى تباينًا بين العودة إليها أو العمل على خطوات ملموسة على الارض لتعود إلينا. فهي تجلي لأنماط ممارسة وتفكير. وحيث نحن الآن ممارسةً، تتجلى الفوقية والرعوية في المعاملة من فئات نسوية معينة نحو فئات آخرى. فكيف يمكن أن نتعامل مع تلك الحال بعيدًا عن التمنيات؟

      إعجاب

      • بالحقيقة النظرة للذات متشابكة في تكوينها مع هوية الانتماء للجماعة وفي التحليل النفسي الجمعي المبني على السياق لربما يكون من الصواب استخدام مصطلح النرجسية الفلسطينية ومن الممكن ربطها بنظريات تحليل الشيفونية. وشكرا لك على طرح التحليل بالحقيقة، فتح بنيات تحليل كثيرة لدي فيما يخص الموضوع.
        واتفق تماماً ان الأمر مرتبط بالممارسة والتفكير لتعود الينا “الفزعة الجمعية”. لربما دائماً ننجح بالتحليل والتفكيك ويصبح الأمر أكثر صعوبة عند محاولة البناء. لكن أعتقد ان العمل يكون على مستويات عديدة. من ضمنها التفكير والوعي والادراك ضمن الحراكات والعمل المجتمعي وادواته الى ان نستطيع خلق تشابكات بين المدن.
        او هذا الاتصال بالحقيقة بحاجة الى هبة جماهيرية اخرى ! وعنف ثوري هو الاقدر على الحل. لكن الى حينها نستطيع بناء هذه التشبيكات ربما!

        Liked by 1 person

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s