فلسطين فن وتاريخ: جفرا

الأهازيج وأغاني الأعراس هي من أهم الوسائل التي استخدمها ويستخدمها الفلسطينيون لتوثيق تاريخهم. وقد لا تقتصر تلك الوسائل على الكلمات فقط ولكنها تمتد إلى كل انتاج فكري وثقافي وفني. فمثلاً، خلد الفنان المقدسي سليمان منصور قصة الشهيدة لينا النابلسي في لوحة اعتبرت من أجمل ما انتجه الفن الفلسطيني في القرن العشرين.

ورغم أن الفلسطينيين يتغنون بفنهم وثقافتهم، فيبقى الكثيرون فرائس للإهمال في توثيق البعد التاريخي للانتاجات الفنية. وتكمن أهمية الالمام بهذا البعد التاريخي في القدرة على فهم وتحليل الكلمة وضربة الفرشاة. فارتباط تلك الانتاجات بقصتها يساهم في ترسيخها وتخليدها ضمن الكنز الثقافي الفلسطيني ويصونها من الاندثار.

جفرا (والصحيح في اللغة جفرة) هي من أكثر العناوين ارتباطاً بالقضية الفلسطينية. وأصبح الاسم يطلق على العديد من المواليد الفلسطينيين. رغم أن القليل يعلمون البعد التاريخي لنشوء هذا الاسم. وجفرة في المعجم الوسيط هي جمع “الجفر”. والجفر هو ما عظم واستكرش من ولد الشاة والمعزى. وهو البئر الواسعة التي لم تبن بالحجارة.

من لم يعرف جفرا فليدفن نفسه“. تلك هي جملة شعرية كتبها الشاعر الفلسطيني عز الدين المناصرة في قصيدته “جفرا الوطن المسبي”. في هذه الابيات الشعرية يتحدث الشاعر عن حبيبته “جفرا النابلسي” والتي استشهدت بنيران القصف الصهيوني لبيروت عام 1976. وجفرا النابلسي هي طالبة فلسطينية كانت تدرس في الجامعة الأمريكية في بيروت. ومنذ نشر القصيدة في اللبنانية عام 1976 ترجمت إلى أكثر من عشرين لغة أجنبية، وأشهر من غناها مارسيل خليفة وخالد الهبر. ولم تقتصر شهرة جفرا على المستوى العربي فقط، بل اشتهرت عالمياً. تحولت “جفرا” إلى فيلم يوغوسلافي تضمن الأغنية بصوت مارسيل خليفة، عُرض في مهرجان موسكو السينمائي الدولي عام 1980. كما تحولت إلى رقصة على ألحان خليفة في مدينة (برنو) السلوفاكية. وأنشدها أحد نجوم المسرح الفرنسي بالفرنسية في مسرح موليير في باريس عام 1997، بعد أن ألقاها الشاعر المناصرة بالعربية، بحضور فدوى طوقان، ومحمود درويش، وبحضور (جاك دريدا) فيلسوف التفكيكية الفرنسي، الذي وصفها بقوله (كأنها السحر بعينه).

ورغم الدور الكبير لقصيدة المناصرة في شهرة “جفرا” ولكن جفرا في الثقافة الفلسطينية لم تكن وليدة تلك القصيدة. فمن أشهر الأهازيج الفلسطينية في الأفراح “جفرا وهي يالربع“. وتعود قصة جفرا إلى أربعينيات القرن العشرين. وقد كان مسرحها بيادر وطرق قرية فلسطينيّة وادعة من قضاء عكّا تدعى الكويكات. واقتباساً من موقع (http://jafrastory.blogspot.com/2010/03/blog-post_8359.html) فإن بطلها شاب مفتول العضلات والشوارب يحترف قول العتابا والزجل يدعى أحمد عبد العزيز علي الحسن ، ويعرف بالقرية بإسم أحمد عزيز ، وقد أعجب هذا الشاب بفتاة من القرية تدعى (رفيقة نايف حمادة الحسن) ، وهام بها أيّما هيام ، ولقبّها بالجفره تشبيها لها بإبنة الشاة الممتلئة الجسم ، وبدأ بالتشبيب بها بقصائده وعتاباه ، وملاحقتها من مكان لآخر، ولكن هي لم تبادله نفس الشعور على الإطلاق. وعقد قران أحمد على رفيقة، لمدة أسبوع، لكنها هربت من بيته، لأنها أبلغته أنها تعشق (محمد إبراهيم العبدالله)، ابن خالتها، وقد أصبح زوجها لاحقاً، بينما تزوج (أحمد عزيز) كما يناديه أهل الكويكات بامرأة أخرى ولكن أشعاره بها كانت قد صارت على كل لسان ، وطارت بها الركبان في القرى والبلدات المجاورة ، ومنها

جفرا وهي يالرّبع= ريتك تقبريني
وتدعسي على قبري = يطلع نهر ميّه
التي حوّرها القوّالون بعده إلى ميرميّه

وهناك الكثير مثلها، ولم يعرف بالضبط إن كانت له، أم أنّها من تأليف زجّالين أخر، لأنّ الكثيرين أخذوا ينظمون على اللحن نفسه منذ ذلك الحين وإلى وقتنا هذا
والمعروف أنّ الشاعر، والفتاه، لجئا مع أهلهما إلى لبنان بعد النكبة، وربّما يكون هو قد أقام في عين الحلوة، كما أفاد أخانا ياسر، ولكن الجفرا أقامت مع أهلها في مخيّمات بيروت، ومن ثمّ في حارة حريك. وقد توفيت بطلة القصة في نيسان عام 2010.

مصادر:
– عز الدين المناصرة: (الجفرا والمحاورات، وشعرية العنب الخليلي)، دار ورد، (ط2)، عمَّان، الأردن، 2009.

قصيدة “الجفرا الوطن المسبي”

أرسلتْ لي داليةً وحجارةً كريمة
مَنْ لم يعرفْ جفرا فليدفن رأْسَهْ
من لم يعشق جفرا فليشنق نَفْسَهْ
فليشرب كأس السُمِّ العاري يذوي , يهوي ويموتْ
جفرا جاءت لزيارة بيروت
هل قتلوا جفرا عند الحاجز, هل صلبوها في تابوت ؟؟
جفرا أخبرني البلبلُ لّما نَقَّر حبَّاتِ الرمِّانْ
لّما وَتْوَتَ في أذني القمرُ الحاني في تشرينْ
هاجتْ تحت الماء طيورُ المرجانْ
شجرٌ قمريٌّ ذهبيٌّ يتدلّى في عاصفة الالونْ
جفرا عنبُ قلادتها ياقوتْ
هل قتلو ا جفرا..قرب الحاجز هل صلبوها في التابوت ؟
تتصاعدُ أُغنيتي عَبْر سُهوب زرقاءْ
تتشابه أيام المنفى ,كدتُ أقول :
تتشابه غابات الذبح هنا وهناك .
تتصاعد أغنيتي خضراء وحمراءْ
الأخضر يولد من الشهداء على الأحياء
الواحةُ تولد من نزف الجرحى
الفجرُ من الصبح إذا شَهَقَتْ حبّاتُ ندى الصبح المبوحْ
ترسلني جفرا للموت، ومن أجلك يا جفرا
تتصاعدُ أغنيتي الكُحيَّلة.
منديلُكِ في جيبي تذكارْ
لم ارفع صاريةً إلاَّ قلتُ : فِدى جفرا
ترتفع القاماتُ من الأضرحة وكدتُ اقولْ :
زَمَنٌ مُرٌّ جفرا … كل مناديلك قبل الموت تجيءْ
في بيروت ، الموتُ صلاةٌ دائمةٌ والقتل جريدتُهُمْ
قهوتُهمْ ، والقتل شرابُ لياليهمْ
القتل اذا جفَّ الكأس مُغنّيهمْ
وإذا ذبحوا … سَمَّوا باسمك يابيروت .
سأعوذُ بعُمّال التبغ الجبليّ المنظومْ
هل كانت بيروتُ عروساً ،هل كانت عادلةً … ليست بيروتْ
انْ هي إلاّ وجع التبغ المنظومْ
حبَّاتُ قلادته انكسرتْ في يوم مشؤومْ
انْ هي إلاّّ همهمة لصيّادين إذا غضب البحر عليهمْ
انْ هي الاّ جسد إبراهيم
إنْ هي الاّ ابناؤك يا جفرا يتعاطون حنيناً مسحوقاً في فجرٍ ملغومْ
إنْ هي الاّ اسوارك مريامْ
إنْ هي الاّ عنبُ الشام
ما كانت بيروت وليستْ ، لكنْ تتواقد فيها الاضدادْ
خلفكِ رومٌ
وأمامكِ رومْ. !!!
للأشجار العاشقة أُغنّي.
للأرصفة الصلبة ، للحبّ أُغنّي .
للسيّدة الحاملة الأسرار رموزاً في سلَّة تينْ
تركض عبر الجسر الممنوع علينا ، تحمل أشواق المنفينْ
سأغني .
لرفاقٍ لي في السجن الكحليّ ، أُغني
لرفاقٍ لي في القبر، أغني
لامرأةٍ بقناعٍ في باب الأسباط ، أغني
للعاصفة الخضراء ، أغني
للولد الاندلسيّ المقتول على النبع الريفيّ ، اغنّي .
لعصافير الثلج تُزقزقُ في عَتَبات الدورْ
للبنت المجدولة كالحورْ
لشرائطها البيضاء
للفتنة في عاصفة الرقص الوحشيْ
سأغنّي .
هل قتلوا جفرا ؟؟
الليلةَ جئنا لننام هنا سيّدتي … يا أُمَّ الأنهارْ
يا خالة هذا المرج الفضيْ
يا جدَّة قنديل الزيتونْ
هل قتلوا جفرا ؟؟
الليلة جئناكِ نغّني .
للشعر المكتوب على أرصفة الشهداء المغمورين ، نُغنّي
للعمّال المطرودين ، نغّني
ولجفرا … سنُغنّي .
جفرا … لم تنزل وادي البادان ولم تركضْ في وادي شُعَيبْ
وضفائرُ جفرا ، قصّوها عن الحاجز ، كانت حين تزور الماءْ
يعشقها الماء … وتهتز زهور النرجس حول الاثداء
جفرا ، الوطن المَسْبيْ
الزهرةُ والطلْقةُ والعاصفة الحمراءْ
جفرا…إنْ لم يعرفْ من لم يعرفْ غابة تُفَّاحٍ
ورفيفُ حمام ٍ… وقصائد للفقراءْ
جفرا…من لم يعشق جفرا
فليدفنْ هذا الرأس الاخصر في الرَمْضاءْ
أرخيتُ سهامي ، قلتُ : يموتُ القاتل بالقهر المكبوتْ
منْ لم يخلع عين الغول الاصفر … تبلعُهُ الصحراء .
جفرا عنبُ قلادتها ياقوتْ
جفرا ، هل طارت جفرا لزيارة بيروت ؟
جفرا كانت خلف الشُبَّاك تنوحْ
جفرا … كانت تنشد أشعاراً … وتبوحْ
بالسرّ المدفونْ
في شاطيء عكّا … وتغنّي
وأنا لعيونكِ ياجفرا سأغنّي
سأغنّي
سأُغنّي .
يا بيروتُ أُ غنّي.
كانتْ … والآنَ : تعلّقُ فوق الصدر مناجل للزرعِ وفوق
الثغر حماماتٌ بريّةْ.
الزهرةُ تحكي للنحلةِ ، الماعز سمراء،
الوعلُ بلون البحر ، عيونكِ فيروزٌ يا جفرا.
وهناك بقايا الرومان : السلسلةُ على شبكة
هل عرفوا شجر قلادتها من خشب اليُسْرِ وهل
عرفوا أسرار حنين النوقْ
حقلٌ من قصبٍ ، كان حنيني
للبئر وللدوريّ إذا غنَّى لربيعٍ مشنوقْ
قلبي مدفونٌ تحت شجيرة برقوقْ
قلبي في شارع سَرْوٍ مصفوفٍ فوق عِراقّية أُمّي
قلبي في المدرسة الغربيّةْ
قلبي في النادي ، في الطلل الأسمر في حرف نداءٍ في السوقْ
جفرا ، أذكرها تحمل جرَّتها الخمرية قرب النبعْ
جفرا، أذكرها تلحق بالباص القرويْ
جفرا ، أذكرها طالبةً في جامعة االعشّاقْ.
من يشربْ قهوته في الفجر وينسى جفرا
فَلْيدفنْ رأسَهْ
مَنْ يأكلْ كِسْرتَهُ الساخنة البيضاءْ
مَنْ يلتهم الأصداف البحرية في المطعم ينهشُها كالذئبْ
من يأوي لِفراش حبيبتهِ، حتى ينسى الجَفْرا
فليشنقْ نفَسَهْ.
جفرا ظلَّتْ تبكي ، ظلَّتْ تركض في بيروتْ
وأبو الليل الاخضرِ ، من أجلكِ يا جفرا
يشهقُ من قهرٍ شهقتَهُ… ويموت

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s